Ali's Blog
kitty Gif

Home home GIF About about GIF Entries post GIF Chat chat GIF Kool Webpages cool GIF Guestbook Guestbook GIF Kool Books reading GIF Truth Table math GIF Contact Phone GIF

احمد امين (١٨٨٦ - ١٩٥٤)

كتاب الى ولدي

 

«إلى ولدي» كتاب للأديب المصري البارز أحمد أمين، ويُعد من أهم الأعمال الأدبية في العالم العربي، يكتب فيه المؤلف من موقع الأب المسنّ الذي يخاطب ابنه وكأنه يتهيأ لوداع الحياة وتحمل رسائله فيضًا من الحب والنصح، وتطلُّعًا صادقًا إلى مستقبل أفضل لابنه.

يستعرض الكاتب التحولات الكبيرة التي طرأت على العالم، وما تركته من أثر عميق في المجتمعات العربية، لا سيما فيما يتعلق بالعقائد والقيم والتصورات، ويلفت الانتباه إلى التباين بين الأجيال، فيسلط الضوء على الفترة التي نشأ فيها في أواخر القرن التاسع عشر، ويقارنها بواقعٍ حديث تتشابك فيه قضايا معقدة. تبدو رسائله كهمسات شيخ حائر أمام التغيرات السريعة في الأعراف المجتمعية. ومع ذلك، تضرب الرسالة الأولى مثالًا نادرًا في الوعي الذاتي، يرافقه تعاطف وفهم للمسافة التي تفصل بين جيله وجيل الابن، ويتجلّى في الكتاب منظور تاريخي مميز، يقدّر تنوّع القيم عبر الزمان والمكان.

في المقطع الافتتاحي (وأقتبسه هنا بإسهاب) يظهر بوضوح تسامح الكاتب وإحساسه العميق بالطبيعة المتجددة للقيم والمعايير. لا يقف الأستاذ أمين في وجه أي اختلاف قد يطرأ على شخصية الابن، بل يراه ثمرةً طبيعية لعوامل الزمن والسياقات الاجتماعية والتطور الشخصي، ومن خلال نظرته التاريخية الثاقبة، لا يصنف هذه التبدّلات على أنها انحرافات أو تمردات، بل يفسرها بوصفها مسارًا تفرضه حتمية التطور والبيئة المحيطة.

أي بني: إني لأعلم أنك قد خلقت لزمن غير زمني، وربيت تربية غير تربيتي، ونشأت في بيئة غير بيئتي — لقد كنت في زمني عبد التقاليد والأوضاع، وأنت في زمن يكسر التقاليد والأوضاع، وكنت في زمن شعاره الطاعة، الطاعة لأبي ولأولياء أمري، وأنت في زمن شعاره التمرد، التمرد على سلطة الآباء، وعلى المعلمين وعلى أولي الأمر — وتعلمت أول أمري في كتاب حقير، نجلس فيه على الحصير، ويعلمنا مدرس جبار، يضرب على الهفوة وعدم الهفوة، ويعاقب على الخطأ والصواب، ويمرن يده بالعصا فينا كما تمرنون أيديكم على الألعاب الرياضية. وأنت تعلمت في روضة الأطفال حيث تشرف عليك آنسة رقيقة مهذبة، وتقدم لك تعليم القراءة والكتابة في إطار من الصور والرسوم والأغاني وما إلى ذلك. وكنت أعيش في كتابي على الفول النابت والفول المدمس، وأنت تعيش في روضتك على اللبن والشاي والبسكويت وما إلى ذلك أيضا.
ثم لما صبوت تعلمت في المدارس الفرنسية حيث تنقل إليك في تعاليمها كل أساليب المدنية الغربية — وتربيت أنا في وسط كله دين — دين في الكتب ودين في الحياة الاجتماعية ودين في أوساطي كلها. وتربيت أنت في مدارس أو جامعات لا يذكر فيها الدين إلا بمناسبات. وكان يذكر الدين في وسطنا دائما ليحترم، وكثيرا ما يذكر الدين في وسطك ليهاجم. ونشأت في وسط لا تذكر فيه السياسة إلا لماًما، ونشأت في وسط كله سياسة وإضراب وأكثر من الإضراب. ونشأت في وسط لا يعرف المرأة إلا محجبة، ولا يعرف فتاة إلا أن تكون قريبة، ونشأت أنت في وسط تجالسك الفتاة في جامعتك وتشاهدها في أوساطك وقد أخذت من الحرية مثل ما أخذت؛ ولو عددت لك الفروق بيني وبينك، في زمني وزمنك، وتعليمي وتعليمك، وبيئتي وبيئتك، لطال الأمر. ولكن برغم كل هذا فالفروق مهما كانت فروق جزئية، ولا يزال بيني وبينك وجوه شبه أعمق من هذه المظاهر"

يتعامل أحمد أمين مع هذه التحولات بنظرةٍ يغلب عليها الهدوء والحكمة، فلا يطلق عليها أحكامًا قاطعة ولا يراها خروجًا على مألوفٍ ينبغي مقاومته، بل يتأملها بوصفها انعكاسات للزمان والمكان، ويقرّ بأنها تجليات طبيعية لزمنٍ يمضي على نحوٍ لا يملك الإنسان حيالَه سوى محاولة فهمه والتكيف معه، إذ لا يلوم أمين ابنه على اختلاف معاييره، بل يشير إلى أن لكل جيلٍ إطارًا فكريًا ومعياريًا ينبع من ظروفه وتجربته، وأن التغير ذاته ليس إلا جزءًا من مسيرة البشر على هذه الأرض، وأن استيعابه – لا مكافحته – هو السبيل إلى تحقيق توازنٍ داخلي وتعايشٍ فاعلٍ مع عالمٍ يتبدل بسرعة تفوق تصوّر الآباء والأجداد.

لكن سرعان ما ينحدر الكتاب — للأسف — إلى تلك النبرة النرجسية التي كانت متوقعة بعض الشيء، فمع أنه بدأ بنظرة عالمية وتقدمية تبارك التعدد القيمي وتحضّ على قبول التنوع، نجده يعود إلى تبني عقائد جامدة وأطرٍ فكريّةٍ لا تتسامح مع اختلافٍ لا يتوافق وأصولها الراسخة. ومن بين الشكاوى التي يكررها الكاتب، يبدو واضحًا امتعاضه من أن الأجيال الحديثة لم تعد تخضع لسلطةٍ يتجاوزها البشر، فلا تلتزم الكيانات غير البشرية – سواء كانت إلهية كالله أو رمزية كوطن – كما كانت تفعل الأجيال السابقة، بل باتت تنظم علاقاتها وقيمها في إطارٍ إنسانيٍّ محض، حيث تصبح المسؤولية محصورةً فيما بين الأفراد أنفسهم، دون امتدادٍ إلى كيانٍ أعلى أو سلطةٍ متعالية. وهذا التحوّل في نظره كفيلٌ بأن يحدث شرخًا في منظومة القيم، إذ لم يعد الإنسان مسؤولًا إلّا أمام البشر الآخرين، في حين أن الأجيال الماضية كانت تستمد تصوراتها من سلطاتٍ ثابتة ترى فيها مرجعيةً لا تُمسّ.

وهكذا يتبدّى للقارئ أن الكاتب، رغم انطلاقته الداعية إلى الانفتاح ومواكبة التغيرات، لا يسند موقفه الرافض لهذا التحول بحجة عقلية متماسكة، بل يتكئ على فرضيةٍ ضمنية تفترض تواطؤ القارئ المسبق معه في رفضه للنموذج القائم على المسؤولية المشتركة بين البشر. فهو يصف الابتعاد عن القيم المطلقة التي كانت تُنسب إلى تلك الكيانات الكبرى بوصفه مظهرًا من مظاهر انحطاطٍ أخلاقي، لكنه لا يوضح لماذا يجب علينا حتمًا الخضوع لتلك السلطات الخارجية أو التسليم لها، كما لا يُبيّن سبب كون الانتقال إلى نموذجٍ إنسانيٍّ صرف يحمل في طيّاته تهديدًا أخلاقيًّا، أو لماذا يُعدّ أمرًا سيّئًا من الأساس.

بهذا المعنى، يخيَّل إلينا أن المؤلف الذي بدأ كتابه وهو يبارك التعددية ويثمّن التحولات الاجتماعية، يعود في نهاية المطاف إلى رؤية تنكمش داخل سردية تقليدية متجذرة، تتشبث بعقائدها الراسخة من دون التساؤل عن مدى ملاءمتها للواقع الراهن، متوقعًا قبولًا تلقائيًا من القارئ يجنّبه عناء الإقناع أو الجدل الفكري.

وهنا تتضح نظرتان مختلفتان للدين، تتنازعان في كيفية فهمه وحدود امتداده. النظرة الأولى تفترض أن النزوع الديني أو الشوق إلى المقدّس ينبع من أعماق الطبيعة البشرية، سابقٌ لكل مؤثر ثقافي، فهي ترى أن الإيمان ليس خيارًا فرديًا أو خصوصيةً شخصية وحسب، بل حقيقة كونيّة كبرى تتجاوز حدود الفرد لتشمل كل البشر، ومن ثم تستلزم تعميم الدين في المجتمع بأسره، دون استثناءٍ أو خصوصيةٍ يحتفظ بها المرء لنفسه.

أمّا النظرة الثانية فتفترض أنّ البحث عن "الحقيقة" أو عن الله ليس جزءًا مبرمجًا في الطبيعة البشرية، بل هو منتج من منتجات التكوين الثقافي وتفاعلاته التاريخية والاجتماعية؛ وفي ضوء هذا التصور، يتضح أنّ التاريخ قد عرف أممًا وثقافاتٍ لم تتقاطع مع مفهوم الدين كما نفهمه اليوم، أو اتخذت من الإيمان أشكالًا مختلفة، وصولًا إلى درجاتٍ من اللا-إيمان. وترى هذه النظرة أنّ تنوّع التجارب والمعتقدات الدينية نتيجة حتمية للتباين الثقافي، وأنه لا غرابة في أن تتفاوت طرائق الأفراد في الاقتراب من المسائل الروحية والدينية بحسب خلفياتهم وتراكمات تجاربهم الحياتية.

غير أنّ الكاتب كما يظهر في نصه يميل بوضوح إلى التصور الأول، إذ يرى في غياب الشعور الديني أو الإخلال بالشكل المتعارف عليه من الإيمان علامة على تردٍّ أخلاقي أو انحراف سلوكي، ولا يتردّد في التعبير عن ذلك بلغةٍ قد تبدو قاسية لدرجة تنعدم معها فرصة تفهّم الاختلاف بين الناس. فلا يقرّ الكاتب بإمكانية تنوّع التجارب الدينية وامتزاجها بالتجربة الشخصية، بل يتعامل معها بوصفها مقياسًا صارمًا، حيث أي حياد عنه يمثّل في نظره ضعفًا أو حتى ضربًا من المرض. هذا الموقف يحجّم التعددية في المسألة الدينية، ويجعل الخطاب ينغلق على رؤى تقليدية لا تتيح مجالًا للتفاعل مع التنوّع الإنساني الكامن في اختلاف مرجعيات الناس وتجاربهم.

وحتى حين يعرّج الكاتب على علاقة الشرق بالغرب، زاعمًا أنّ الإيمان الراسخ بالله هو ركيزة سعادة المجتمعات العربية، تبدو أدواته في إثبات هذا الزعم غامضة، إذ لا يُفصِح عن المعايير التي استند إليها لتحديد مفهوم السعادة، ولا يبيّن كيف يمكن قياسها أو تمييزها باختلاف السياقات الثقافية والخصوصيات الفردية، فضلًا عن تجاهله لاحتمال وجود أفراد — سواء من مجتمعه أو خارجه — لا يشاطرونه تلك الرؤية أو تعريفاتها المتداولة. ويستند المؤلف، في تبرير فكرته، إلى اعتقادٍ عامٍّ بأنّ القارئ سيتلقّى هذا الربط بين التدين والسعادة بوصفه تحصيل حاصل، في حين يغيب عن خطابه أي جهدٍ منهجيٍّ يتيح مساءلة العلاقة بين الإيمان والسعادة أو بسط شواهدٍ علميّةٍ وتفصيليةٍ ترفع الغموض وتُقنع من لم يشارك مسبقًا في تلك الفرضيات.

ولربما كان هذا الطرح مفهومًا — إلى حدٍّ ما — في سياقٍ تاريخي شهد اصطفافاتٍ حضارية بين الشرق والغرب، حيث سعى العديد من مفكري مطلع القرن العشرين إلى التشبث بهوية ثقافية ودينية تخشى الذوبان في تياراتٍ غربيةٍ صاعدة. غير أن هذه الفرضيات فقدت على مر الزمن كثيرًا من ثقلها، بل إن الإحصاءات والمؤشرات الحديثة تشير بوضوح إلى أنّ دولًا تُصنَّف علمانية أو شبه علمانية، وأخرى لا تولي الدين مكانة مركزية في الحياة العامة، تحقِّق مراتب متقدمة في مستويات الرفاهية والسعادة وفق معايير عالمية معتمدة. ويغدو الأمر أكثر إشكالية حين نرى المؤلف يكتفي بافتراضاتٍ غير معلنة ودعوةٍ عاطفيةٍ تدعو القارئ إلى الإقرار بأنّ السعادة لا تتحقق إلا في ظل تلك القيم المطلقة. ونتيجة لذلك، يبدو الخطاب غير قادرٍ على بناء سندٍ معرفيٍّ متين، وكأن الكاتب على ثقةٍ بأن المتلقي سيخضع — بلا مراجعةٍ أو جدلٍ فكري — إلى صورةٍ مسبقةٍ تربط الرضا النفسي والقيمي بالإيمان الغيبي، دون أي توضيحٍ يضيء علاقة هذا الاعتقاد بظروف الناس المعيشية وثقافاتهم وتجاربهم اليومية.

وكما ينغمس الكاتب في تصويره لسيناريوهات درامية تتجاوز حدود المعقول، فتبدو أقرب إلى مشاهد كرتونية مفتعلة لا صلة لها بالواقع، فإنه يضعف نصَّه ويشتت تركيز القارئ؛ إذ يعرض قصة أستاذ جامعي يُعلِّم قيمًا نبيلة كالعدل والأمانة، ثم يتحوّل إلى موضع سخريةٍ من طلابٍ يروّجون للخداع والدهاء، في صورة مبالغٍ فيها تُفقِد الأحداث منطقيتها، وتعطي انطباعًا بأن الكاتب يبالغ في رسم عالم متطرِّف لا يصمد أمام نظرة فاحصة. وتغدو هذه المبالغات ذات أثرٍ عكسيٍّ يحجب رسالة النصّ الحقيقية في غلالةٍ من التهويل، فتبدو أقرب إلى كليشيهات أدبية تُلهب العواطف على حساب الحوار العقلاني، وهو ما ينفر القارئ الذي يبحث عن حججٍ رصينة وتحليلٍ موضوعيٍّ يستند إلى واقع ملموس.

ويزيد الأسلوب المسرحي في عرض تلك الحكايات من حدة هذا الانطباع، فيجعل القارئ المتبصّر يتساءل عن الغاية الفعلية من تضخيم الأحداث، خصوصًا حين توضع هذه السيناريوهات في سياقٍ يدّعي معالجة قضية التغير القيمي؛ إذ كان الأولى بالكاتب أن يقدّم لنا استبصاراتٍ عميقةً بدل الاكتفاء بمَشاهِدٍ مبالغٍ فيها لا تعين على الفهم النقدي. وهكذا، تنأى قصصه عن إثراء النقاش أو تحفيز الفكر، وتنحو منحًى عاطفيًا يثير الرفض لدى المتلقي الباحث عن تأصيلٍ فكريٍّ صادق، فيتولد إحساسٌ عامٌّ بأن هذه الحكايات تكاد تغدو أدوات للتأثير الوجداني أكثر من كونها أسسًا لحوارٍ عقلانيٍّ متكامل.

ورغم ما يعتري هذه المبالغات من قصورٍ واضحٍ في الإقناع، فإن المرء لا يستطيع إنكار ما يحمله النصّ من محبّةٍ دفينة للابن، وما ينعكس بين سطوره من توقٍ صادقٍ للتواصل معه رغم المسافات الذهنية والزمانية؛ فثمّة نبرة أبويةٌ حانية تنبع من إحساسٍ بالعجز أمام عالمٍ متبدّل، وتتجلّى في النصائح المباشرة وبساطة الوعظ، وتبوح برغبةٍ حقيقيةٍ في مساعدة الابن على مواكبة واقعٍ يزداد غموضًا. وربما يلمس القارئ شيئًا من فجيعة الكاتب حين يرى مسلّماته القديمة تتهاوى أمام عينيه، فيحاول جاهدًا انتشال ابنه من مستنقع ضياعٍ يتخيّله، وإن كان يغفل في الوقت ذاته عن أنّ الأساليب القديمة قد لا تكفي لوضع الابن على أعتاب عصرٍ يتطلّب أسئلة جديدة وإجابات أكثر مرونة.

وفي نهاية المطاف، قد نرى في «إلى ولدي» محاولةً حثيثةً لرصد الهوة الفاصلة بين جيلين، تنزلق أحيانًا إلى التكرار المعتمد على افتراضات ورثها الكاتب دون غربلة نقدية، وتحفل بمبالغاتٍ درامية تخفت معها حِدّةُ التحليل الموضوعي، لكنّها لا تخلو من صدى القلق الأبوي المشروع، ولا من لمحاتٍ إنسانيةٍ صادقة تذكّرنا بأنّ وراء هذا التصلّب الفكري قلبًا يخشى المستقبل الآتي. وهكذا قد يجد القارئ، رغم تضارب الآراء وتعدّد المبالغات، شيئًا من الدفء الأبوي الذي يشفع للنصّ في مواضع كثيرة، ويجعله أقرب إلى مسعى إنسانيٍّ حالمٍ بحفظ الابن من رياح زمنٍ متقلّب، وإن عجز المؤلف عن ملامسة روح الحداثة بأساليبٍ تنسجم مع السياقات الجديدة وتحدّياتها.